ظلّ النشاط الفضائي السعودي لسنوات طويلة هادئاً ومتخصصاً: معهد أبحاث في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) يبني أقماراً صناعية صغيرة، ورحلة شهيرة عام 1985 أصبح فيها الأمير سلطان بن سلمان أول عربي وأول مسلم يصعد إلى الفضاء. ومنذ عام 2018 تغيّرت الصورة بسرعة؛ فقد أنشأت المملكة جهة مختصة بالفضاء، ثم حوّلتها إلى وكالة الفضاء السعودية عام 2023، وأرسلت رائدَي فضاء إلى محطة الفضاء الدولية، وبدأت نشر النتائج العلمية التي عادا بها.
ولا يقتصر التحول على رواد الفضاء. ففي أواخر نوفمبر 2025 وصل إلى المدار قمران صناعيان صغيران صمّمتهما فرق طلابية من جامعة أم القرى وجامعة الأمير سلطان. وفي أبريل 2026 انطلق القمر السعودي المكعب «شمس» المخصص لرصد طقس الفضاء على متن مهمة «أرتميس 2» التابعة لناسا. كما تقدّر هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية حجم اقتصاد الفضاء الوطني بـ 8.7 مليار دولار، مع توقعات بأن يبلغ 31.6 مليار دولار بحلول عام 2035.
يستعرض هذا المقال المؤسسات والمهمات والأبحاث والأرقام اعتماداً على مصادر رسمية ومنشورة. كما يتناول الجانب الأهم لمعظم الشركات السعودية: الفضاء يولّد البيانات، وتحويل هذه البيانات إلى منتجات عملٌ برمجي وعمل في الذكاء الاصطناعي يمكن إنجازه هنا، بأيدي فرق سعودية.
إلبترون تبني البرمجيات والذكاء الاصطناعي اللذين يجعلان البيانات مفيدة
إلبترون تيكنولوجيز شركة تقنية سعودية. نحن لا نبني الأقمار الصناعية، بل نبني الطبقة الموجودة على الأرض: برمجيات ومنصات بيانات وذكاء اصطناعي تأخذ البيانات الخام، ومنها البيانات الجغرافية المكانية والصور، وتحوّلها إلى لوحات معلومات وتنبيهات وتقارير وتطبيقات يستخدمها الناس فعلاً.
ويعتمد هذا العمل على التخصصات نفسها التي يحتاجها اقتصاد الفضاء بعد الإطلاق: هندسة البيانات والتحليلات والرؤية الحاسوبية والبرمجيات المخصصة. كما نبني «إلبي»، منصتنا للمساعد الذكي ثنائي اللغة بالعربية والإنجليزية والمستضافة داخل المملكة، والتي تمنح الفرق طريقة حوارية للاستعلام عن بياناتها.
إذا كانت لدى منشأتك بيانات، من الخرائط والصور إلى المستشعرات والعمليات، وتحتاج إلى منتج يجعلها مفيدة، فبإمكاننا مساعدتك في تحديد نطاقه وبنائه وتشغيله.
من الهيئة السعودية للفضاء إلى وكالة الفضاء السعودية
المؤسسات الفضائية السعودية الحديثة حديثة العهد. فقد أُنشئت الهيئة السعودية للفضاء بأمر ملكي في 27 ديسمبر 2018، لتصبح للمملكة جهة واحدة مسؤولة عن النشاط الفضائي المدني بدلاً من توزّعه بين جهات بحثية ودفاعية. وفي 13 يونيو 2023 صدر قرار مجلس الوزراء بتحويل الهيئة إلى وكالة الفضاء السعودية، وجاء ذلك بعد أسابيع قليلة من عودة رائدَي الفضاء السعوديين من محطة الفضاء الدولية.
وأهداف الوكالة المعلنة عملية لا رمزية: تطوير علوم الفضاء وتقنياته وتوطينها، وتعزيز الاستخدام السلمي لصناعات الفضاء، وتبنّي أفضل الممارسات العالمية، وبناء الخبرات في أبحاث الفضاء المدنية، وجعل المملكة مركزاً إقليمياً ودولياً لعلوم الفضاء. ويرأس مجلس إدارتها وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، وهو ما يعكس مدى ارتباط الفضاء بالأجندة الرقمية الأوسع للمملكة.
وقد ركّز جزء كبير من العمل المبكر على الإنسان. إذ تذكر الوكالة برنامج «أجيال الفضاء» الذي أُطلق عام 2020 لتطوير الكفاءات السعودية في القطاع، وبرنامج «الفضاء 101» التدريبي الذي نُفّذ عام 2021 بالتعاون مع «إيرباص للدفاع والفضاء»، و«برنامج رواد الفضاء السعوديين» الذي أُطلق في سبتمبر 2022 لتأهيل مرشحين سعوديين للرحلات القصيرة والطويلة وإجراء التجارب العلمية في المدار. وتفسّر هذه البرامج سرعة الإنجازات اللاحقة: فقد بُني خط إعداد الكفاءات أولاً.
ومن المفيد التمييز بين دور جهتين تظهران كثيراً في الأخبار نفسها. فوكالة الفضاء السعودية تقود المهمات والأبحاث والشراكات الدولية وبرامج المواهب، أما هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية فهي الجهة التنظيمية، وهي التي تنشر الأرقام الرسمية عن حجم اقتصاد الفضاء السعودي. والجهتان مهمتان لأي شركة تريد العمل في هذا القطاع.
- 1985: الأمير سلطان بن سلمان على متن المكوك «ديسكفري» (STS-51-G)
- 27 ديسمبر 2018: إنشاء الهيئة السعودية للفضاء بأمر ملكي
- سبتمبر 2022: إطلاق برنامج رواد الفضاء السعوديين
- 13 يونيو 2023: تحويل الهيئة إلى وكالة الفضاء السعودية
الأساس: كاكست وسلسلة «سعودي سات»
لم تبدأ الوكالة الجديدة من الصفر. فقد صمّم معهد بحوث الفضاء في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بالرياض وبنى أول أقمار المملكة الصغيرة، «سعودي سات-1أ» و«سعودي سات-1ب»، اللذين أُطلقا معاً في 26 سبتمبر 2000 على صاروخ «دنيبر» من قاعدة بايكونور. وكانا قمرين تقنيين يقدّمان اتصالات من نوع «التخزين ثم الإرسال» ويحملان تجارب صغيرة، ثم تبعهما «سعودي سات-1ج» في ديسمبر 2002.
وكانت الخطوة التالية رصد الأرض. فقد أُطلق «سعودي سات-2» عام 2004 بوصفه أول قمر سعودي تجريبي لرصد الأرض، ثم «سعودي سات-3» عام 2007. وفي 7 ديسمبر 2018 أُطلق القمران «سعودي سات-5أ» و«سعودي سات-5ب» من مركز جيوتشيوان في الصين، وهما قمران لرصد الأرض صمّمتهما كاكست لتزويد الجهات الحكومية بصور عالية الدقة تخدم التخطيط العمراني ورصد التغيّرات على سطح الأرض. وذكرت صحيفة «عرب نيوز» حينها أن كاكست أطلقت 13 قمراً صناعياً.
ولهذا الإرث أهمية لسببين. أولهما وجود جيل من المهندسين السعوديين صمّم مركبات فضائية ودمجها وشغّلها بالفعل. وثانيهما أن سلسلة «سعودي سات-5» تُظهر أين تكمن القيمة الحقيقية لكثير من الأقمار: في الصور والبيانات التي ترسلها إلى الأرض، وفي الأشخاص والبرمجيات التي تحوّل تلك الصور إلى خرائط وتنبيهات وقرارات.
- قدرة محلية على تصميم الأقمار الصناعية ودمجها في كاكست
- خبرة في حمولات اتصالات «التخزين ثم الإرسال»
- مسار وطني لرصد الأرض من «سعودي سات-2» إلى «سعودي سات-5أ/5ب»
- مهندسون أسهموا لاحقاً في منظومة الفضاء السعودية الأوسع
أكسيوم-2: رائدا فضاء سعوديان والأبحاث التي أنتجاها
في 21 مايو 2023 انطلقت مهمة «أكسيوم-2» من مركز كينيدي للفضاء التابع لناسا، وعلى متنها ريانة برناوي، الباحثة في العلوم الطبية الحيوية، وعلي القرني، الطيار المقاتل في القوات الجوية الملكية السعودية، بصفتهما أخصائيَّي مهمة، إلى جانب القائدة بيغي ويتسون والطيار جون شوفنر. وأصبحت برناوي أول امرأة سعودية وأول امرأة من العالم العربي تصل إلى مدار الأرض. وهبط الطاقم في خليج المكسيك في 30 مايو 2023. وتسمّي وكالة الفضاء السعودية الشق السعودي من هذه الرحلة «أول مهمة سعودية لرحلات الفضاء البشرية» (SSA-HSF1).
واستغرق ظهور الحصيلة العلمية وقتاً أطول، وهذا أمر طبيعي في أبحاث الفضاء. ففي ديسمبر 2025 أعلنت وكالة الفضاء السعودية نتائج 11 ورقة بحثية، منها 9 وطنية و2 دولية، مستندة إلى 19 تجربة أجراها رائدا الفضاء السعوديان في مجالات العلوم الطبية الحيوية وصحة الإنسان والعلوم والتقنية. وأوضحت الوكالة أن تحليل بقية النتائج مستمر وسيُعلن لاحقاً.
والنتائج المعلنة محددة. فتجربة في هندسة الأنسجة نُفّذت مع شركاء دوليين أنتجت مادة نانوية تصفها الوكالة بأنها أعلى دقة من نظيرتها المصنّعة على الأرض. وأعلن الفريق تنفيذ أول عملية نقل جيني للخلايا الجذعية في الفضاء، ودراسة لمؤشرات حيوية في الدم حدّدت مؤشرات مرتبطة بصحة الإنسان في الفضاء، وإثبات أن أدوات مخبرية بسيطة ومنخفضة التكلفة يمكنها دعم أبحاث متقدمة في المدار. كما تناولت ست تجارب لصحة الإنسان الدماغ خلال رحلات الفضاء القصيرة، منها قياس الضغط داخل الجمجمة عبر استجابة حدقة العين، وقطر غمد العصب البصري، وتدفق الدم الدماغي، والنشاط الكهربائي للدماغ، وطول التيلوميرات. واستخدمت تجربة استمطار السحب تقنية جديدة في الجاذبية الصغرى لدراسة تفاعل بخار الماء مع يوديد الفضة، وقدّمت بيانات جديدة عن أثر الجاذبية في التكثّف.
هذه نتائج بحثية وليست ادعاءات طبية. فهي صادرة عن مهمة قصيرة بعدد محدود من المشاركين، وقيمتها فيما تضيفه إلى السجل العلمي وإلى تصميم الدراسات المقبلة، لا في أي علاج فوري. لكنها تُثبت أن باحثين سعوديين، بالتعاون مع مؤسسات محلية ودولية، استطاعوا تخطيط التجارب وتنفيذها في المدار واستعادة العينات والبيانات ثم النشر. وهذه الدورة الكاملة هي القدرة التي يحتاجها أي برنامج بحثي وطني.
- مادة نانوية لهندسة الأنسجة صُنعت في الفضاء بدقة تفوق نظيرتها الأرضية وفق الوكالة
- أول عملية نقل جيني للخلايا الجذعية في الفضاء
- ست تجارب على الدماغ ورحلات الفضاء القصيرة
- تجربة لاستمطار السحب باستخدام يوديد الفضة في الجاذبية الصغرى
أقمار الطلاب: مسابقة «ساري»
يبقى الجزء الأكثر إلهاماً لكثير من المهندسين هو الموجّه إلى طلاب البكالوريوس. ففي ديسمبر 2024 أطلقت وكالة الفضاء السعودية مسابقة «ساري» لتصميم الأقمار الصناعية الصغيرة وبنائها من قِبل طلاب الجامعات. ووفق الوكالة، شاركت فيها 42 جامعة سعودية وأكثر من 480 فريقاً طلابياً. وخضعت الفرق الفائزة لاختبارات فنية وبيئية ودورات تدريبية بإشراف خبراء الوكالة وشركاء دوليين.
وفي 29 نوفمبر 2025 أعلنت الوكالة نجاح إطلاق قمرين من تصميم الطلاب ضمن مهمة فضائية دولية. الأول «أفق» من فريق جامعة أم القرى، ومهمته رصد طقس الفضاء وأثر الإشعاع الشمسي في أنظمة التوقيت والملاحة الدقيقة. والثاني «روضة سكوب» من فريق جامعة الأمير سلطان، وهو مخصص لتقنيات إنترنت الأشياء منخفضة الطاقة دعماً للمبادرات البيئية والاتصال في المناطق النائية. وتُدرج قواعد بيانات تتبّع الأقمار الصناعية القمرين ضمن فئة «بوكيت كيوب» الصغيرة، وتذكر أنهما نُشرا من عملية إطلاق مشترك في 28 نوفمبر 2025.
واستمر البرنامج بعد ذلك. ففي مايو 2026 أطلقت وكالة الفضاء السعودية بالشراكة مع «أرامكو الرقمية» النسخة الثانية «ساري 2»، المفتوحة لطلاب البكالوريوس في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في الجامعات السعودية، مع إرشاد وتدريب وورش عمل وموارد تقنية من الشريكين. وتتقدّم الفرق المكوّنة من أربعة إلى خمسة طلاب معاً، وتمرّ المسابقة بمراحل تبدأ بالتسجيل وتمتد إلى التدريب ثم إطلاق القمر الفائز.
والفرق كبير بين تصميم قمر صناعي على الورق وبناء قمر يطير فعلاً. فالعتاد المعدّ للطيران يفرض على الفرق التعامل مع ميزانيات الطاقة وحدود الحرارة ووصلات الراديو ومعايير الاختبار ومواعيد لا تقبل التأجيل. وهذه بالضبط المهارات التي تنتقل إلى أي وظيفة هندسية جادة، سواء بقي الخريج في قطاع الفضاء أم لا.
- «أفق» (جامعة أم القرى): طقس الفضاء وأثره في التوقيت والملاحة
- «روضة سكوب» (جامعة الأمير سلطان): إنترنت أشياء منخفض الطاقة للمناطق النائية والاستخدامات البيئية
- اختيرا من بين أكثر من 480 فريقاً من 42 جامعة
- تلتهما مسابقة «ساري 2» مع أرامكو الرقمية في 2026
«شمس» و«أرتميس 2» والشراكات الدولية
وقّعت المملكة العربية السعودية «اتفاقيات أرتميس» في 14 يوليو 2022، لتصبح الدولة الحادية والعشرين الموقّعة على هذه المبادئ التي تقودها الولايات المتحدة لاستكشاف الفضاء واستخدامه للأغراض المدنية. ووقّعها عن المملكة الدكتور محمد بن سعود التميمي، الرئيس التنفيذي للهيئة السعودية للفضاء آنذاك. وبعد عامين، في يوليو 2024، وقّعت ناسا ووكالة الفضاء السعودية اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الطيران والاستخدام السلمي للفضاء الخارجي، تشمل مجالات مثل علوم الفضاء والاستكشاف وعلوم الأرض والتعليم.
وقاد هذا الإطار إلى مهمة ملموسة. ففي مايو 2025 أعلنت ناسا اتفاقاً لإطلاق قمر سعودي مكعب على متن «أرتميس 2»، أول رحلة مأهولة لمركبة «أوريون» حول القمر. ويحمل القمر اسم «شمس»، وهو قمر مكعب بحجم 12U مصمَّم لدراسة طقس الفضاء على مسافات مختلفة من الأرض عبر قياس الإشعاع الفضائي والأشعة السينية الشمسية والجسيمات الشمسية عالية الطاقة والمجالات المغناطيسية. وانطلقت «أرتميس 2» في 1 أبريل 2026، وفي 4 أبريل أعلنت وكالة الفضاء السعودية نجاح إطلاق «شمس» والتواصل الأولي معه.
ووفق الوكالة، طُوّر «شمس» محلياً بكفاءات سعودية وبدعم من برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، وهو أول مهمة عربية تنطلق ضمن برنامج «أرتميس». ويأخذه مداره الإهليلجي المرتفع، الممتد من نحو 500 كيلومتر إلى نحو 70 ألف كيلومتر فوق الأرض، عبر مناطق نادراً ما تصل إليها الأقمار الصغيرة، وهذا ما يمنح بياناته قيمة علمية.
وتتجاوز أهمية هذه الشراكات الجانب الرمزي. فهي تتيح للمهندسين السعوديين فرص إطلاق ومعايير مهمات ومجتمعات علمية كان بناؤها منفردين سيستغرق عقوداً، كما تنتج مجموعات بيانات يستطيع الباحثون السعوديون العمل عليها مباشرة.
- يوليو 2022: المملكة توقّع اتفاقيات أرتميس بوصفها الدولة الـ21
- يوليو 2024: ناسا ووكالة الفضاء السعودية توقّعان إطاراً للتعاون
- مايو 2025: اتفاق لإطلاق قمر سعودي مكعب على «أرتميس 2»
- أبريل 2026: انطلاق «شمس» على «أرتميس 2» وإجراء التواصل الأولي
اقتصاد الفضاء السعودي وتوقعات 2035
تأتي أوضح الأرقام الرسمية من تقرير «سوق الفضاء في المملكة 2025» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية في أبريل 2025. ويقدّر التقرير حجم اقتصاد الفضاء السعودي بـ 8.7 مليار دولار في 2024، شاملاً جميع الأنشطة والصناعات ذات القيمة المضافة القائمة على تقنيات الفضاء وخدماته. وضمن ذلك بلغ حجم سوق الفضاء بمعناه الأضيق 1.9 مليار دولار. ويتوقع التقرير أن يصل اقتصاد الفضاء إلى 31.6 مليار دولار في 2035 بمعدل نمو سنوي مركّب يقارب 12%، وأن يصل سوق الفضاء إلى 5.6 مليار دولار.
وللمقارنة، يقدّر التقرير نفسه أن يبلغ اقتصاد الفضاء العالمي 1.8 تريليون دولار في 2035 بنمو سنوي يقارب 9%، وأن ينمو سوق الفضاء العالمي من 176 مليار دولار في 2024 إلى 377 مليار دولار في 2035. أي أن التوقعات السعودية تفترض نمواً أسرع من المتوسط العالمي انطلاقاً من قاعدة أصغر، بدعم من الاستثمار في البنية التحتية الفضائية.
ويصل الاستثمار عبر أذرع مدعومة من الدولة إلى جانب البرامج البحثية. ففي مايو 2024 أطلق صندوق الاستثمارات العامة «مجموعة نيو للفضاء»، وهي شركة مملوكة بالكامل للصندوق تهدف إلى أن تكون بطلاً وطنياً في قطاع الأقمار الصناعية والفضاء. وتغطي وحداتها الأربع اتصالات الأقمار الصناعية، ورصد الأرض والاستشعار عن بُعد، والملاحة عبر الأقمار الصناعية وإنترنت الأشياء، وصندوقاً لرأس المال الجريء يركّز على الأقمار الصناعية والفضاء. وكانت أول استثمار للصندوق مخصص لقطاع الفضاء.
ويشير تقرير الهيئة أيضاً إلى مواضع النمو المتوقعة: تحليل بيانات رصد الأرض، وخدمات البنية التحتية، وأنظمة الاتصالات المتكاملة، وأنظمة الاستشعار المتقدمة، والأقمار الصناعية الصغيرة. وكثير من هذه المجالات لا علاقة له ببناء العتاد أصلاً، بل بتحليل البيانات وإيصالها، وهناك تتركّز معظم الوظائف في أي اقتصاد فضاء ناضج.
- 8.7 مليار دولار حجم اقتصاد الفضاء السعودي في 2024
- 1.9 مليار دولار حجم سوق الفضاء السعودي في 2024، ومتوقع 5.6 مليار دولار في 2035
- 31.6 مليار دولار اقتصاد فضاء متوقع في 2035 بنمو سنوي يقارب 12%
- صندوق الاستثمارات العامة يطلق «مجموعة نيو للفضاء» في مايو 2024 بأربع وحدات أعمال
ماذا يعني ذلك للمهندسين السعوديين وشركات التقنية؟
معظم العاملين في اقتصاد الفضاء لا يقتربون من الصواريخ أبداً. فمشغّلو الأقمار يحتاجون إلى برمجيات أرضية وأدوات لتخطيط المهمات ومعالجة بيانات القياس عن بُعد. وبيانات رصد الأرض تحتاج إلى تنظيف وفهرسة وتحليل قبل أن يُبنى عليها أي قرار. وأقمار إنترنت الأشياء مثل «روضة سكوب» لا تكتسب قيمتها إلا عندما يبني أحدهم لوحات المعلومات والتطبيقات التي تستفيد من إشاراتها. وتركيز تقرير الهيئة على تحليل البيانات والاتصالات والاستشعار تذكير بأن الجانب اللاحق للإطلاق هو حيث تُصنع حصة كبيرة من القيمة.
ويفتح ذلك أمام مهندسي البرمجيات وعلماء البيانات السعوديين أعمالاً عملية: الرؤية الحاسوبية على صور الأقمار الصناعية والصور الجوية لرصد التغيّر في استخدامات الأراضي والبناء والغطاء النباتي والمياه، وخطوط معالجة البيانات الجغرافية المكانية التي تجمع الصور مع الخرائط وتغذيات المستشعرات، وأدوات التنبؤ التي توظّف بيانات طقس الفضاء للأنظمة الحساسة للتوقيت، وواجهات عربية أولاً تتيح لغير المتخصصين في الجهات الحكومية والصناعية طرح الأسئلة على هذه البيانات. ولا يتطلب شيء من ذلك بناء قمر صناعي، بل هندسة متينة وممارسات بيانات سليمة وذكاءً اصطناعياً مُختبراً على الظروف المحلية الفعلية.
وبالنسبة إلى الطلاب، تقدّم مسابقات «ساري» مساراً واقعياً: تعلّم الأنظمة المدمجة والراديو والبرمجيات على مشروع طيران حقيقي، ثم نقل هذه المهارات إلى قطاع الفضاء أو إلى أي صناعة تعتمد على الهندسة. أما الشركات، فالسؤال المفيد ليس ما إذا كانت ستدخل مجال الفضاء، بل أيّ قراراتها الحالية يمكن تحسينه ببيانات جغرافية مكانية أو بيانات مستمدة من الأقمار الصناعية، ومن سيبني البرمجيات التي توصلها.
وهناك حدود ينبغي الاعتراف بها. فبيانات الأقمار الصناعية قد تكون مكلفة، وشروط ترخيصها متفاوتة، والنماذج المدرّبة على صور من مناطق أخرى كثيراً ما يضعف أداؤها على التضاريس والإضاءة والأنماط العمرانية السعودية. وتنجح المشاريع أكثر حين تبدأ بقرار محدد ومصدر بيانات واضح وطريقة لقياس صحة المخرجات.
- الرؤية الحاسوبية لرصد التغيّر في صور الأقمار الصناعية
- خطوط بيانات جغرافية مكانية ولوحات معلومات لفرق التشغيل
- تطبيقات مبنية على إشارات إنترنت الأشياء والملاحة عبر الأقمار الصناعية
- واجهات عربية وإنجليزية تجعل بيانات الفضاء في متناول غير المتخصصين
الأسئلة الشائعة
ما وكالة الفضاء السعودية؟
وكالة الفضاء السعودية هي الجهة الحكومية التي تقود الأنشطة الفضائية المدنية في المملكة، بما في ذلك المهمات والأبحاث والشراكات الدولية وبرامج المواهب. أُنشئت باسم الهيئة السعودية للفضاء بأمر ملكي في 27 ديسمبر 2018، ثم حُوّلت إلى وكالة الفضاء السعودية بقرار من مجلس الوزراء في 13 يونيو 2023. ومن أهدافها توطين علوم الفضاء وتقنياته وجعل المملكة مركزاً إقليمياً ودولياً لعلوم الفضاء.
من هما رائدا الفضاء السعوديان في مهمة أكسيوم-2، وماذا أنجزا؟
شاركت ريانة برناوي، الباحثة في العلوم الطبية الحيوية، وعلي القرني، الطيار المقاتل في القوات الجوية الملكية السعودية، بصفتهما أخصائيَّي مهمة في «أكسيوم-2» التي انطلقت في 21 مايو 2023 وعادت في 30 مايو 2023. وأصبحت برناوي أول امرأة سعودية وأول امرأة من العالم العربي تصل إلى مدار الأرض. وفي ديسمبر 2025 أعلنت وكالة الفضاء السعودية نتائج 11 ورقة بحثية مستندة إلى 19 تجربة من المهمة.
ما نتائج أبحاث العينات الحيوية والتجارب السعودية في الفضاء؟
أعلنت وكالة الفضاء السعودية عن مادة نانوية لهندسة الأنسجة صُنعت في الفضاء تصفها بأنها أعلى دقة من نظيرتها الأرضية، وأول عملية نقل جيني للخلايا الجذعية في الفضاء، ودراسة لمؤشرات حيوية في الدم، وست تجارب على الدماغ خلال رحلات الفضاء القصيرة، وتجربة لاستمطار السحب باستخدام يوديد الفضة في الجاذبية الصغرى. وهذه نتائج بحثية من مهمة قصيرة وليست علاجات طبية، وتقول الوكالة إن تحليل بقية النتائج مستمر.
ما الأقمار الصناعية الطلابية السعودية التي أُطلقت؟
أعلنت وكالة الفضاء السعودية في 29 نوفمبر 2025 نجاح إطلاق قمرين من مسابقة «ساري»: «أفق» الذي صمّمه فريق من جامعة أم القرى لرصد طقس الفضاء وأثره في التوقيت والملاحة، و«روضة سكوب» الذي صمّمه فريق من جامعة الأمير سلطان لاتصالات إنترنت الأشياء منخفضة الطاقة. وشارك في المسابقة أكثر من 480 فريقاً من 42 جامعة سعودية. وفي مايو 2026 أُطلقت النسخة الثانية «ساري 2» بالشراكة مع أرامكو الرقمية.
ما القمر الصناعي «شمس»؟
«شمس» قمر سعودي مكعب بحجم 12U مصمَّم لدراسة طقس الفضاء، ويقيس الإشعاع الفضائي والأشعة السينية الشمسية والجسيمات الشمسية عالية الطاقة والمجالات المغناطيسية. انطلق حمولةً ثانوية على مهمة «أرتميس 2» التابعة لناسا في 1 أبريل 2026، وأعلنت وكالة الفضاء السعودية التواصل الأولي معه في 4 أبريل 2026. وتصفه الوكالة بأنه طُوّر محلياً بكفاءات سعودية، وأنه أول مهمة عربية ضمن برنامج «أرتميس».
ما حجم اقتصاد الفضاء السعودي، وما مستهدف 2035؟
وفق تقرير «سوق الفضاء في المملكة 2025» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، بلغ اقتصاد الفضاء السعودي 8.7 مليار دولار في 2024، فيما بلغ سوق الفضاء بمعناه الأضيق 1.9 مليار دولار. ويتوقع التقرير أن يصل اقتصاد الفضاء إلى 31.6 مليار دولار في 2035 بمعدل نمو سنوي مركّب يقارب 12%، وأن يصل سوق الفضاء إلى 5.6 مليار دولار.
هل المملكة العربية السعودية من الموقّعين على اتفاقيات أرتميس؟
نعم. وقّعت المملكة اتفاقيات أرتميس في 14 يوليو 2022 لتصبح الدولة الحادية والعشرين الموقّعة. وفي يوليو 2024 وقّعت ناسا ووكالة الفضاء السعودية أيضاً اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الطيران والاستخدام السلمي للفضاء الخارجي، وتلاها الاتفاق على إطلاق القمر المكعب «شمس» على متن «أرتميس 2».
ما الوظائف التي يتيحها قطاع الفضاء السعودي لمهندسي البرمجيات والذكاء الاصطناعي؟
إلى جانب هندسة الأقمار الصناعية، يحتاج اقتصاد الفضاء إلى برمجيات أرضية، وأدوات للمهمات ومعالجة بيانات القياس عن بُعد، وخطوط بيانات جغرافية مكانية، ورؤية حاسوبية على صور الأقمار الصناعية، وتطبيقات مبنية على الاتصالات والملاحة وإنترنت الأشياء عبر الأقمار. ويبرز تقرير الهيئة تحليل بيانات رصد الأرض وأنظمة الاتصالات المتكاملة مجالاتٍ للنمو، وهي في معظمها أدوار في البرمجيات والبيانات يمكن للمهندسين السعوديين العمل فيها دون بناء العتاد.
الخلاصة
انتقل برنامج الفضاء السعودي في وقت قصير من جهد بحثي محدود إلى منظومة مترابطة: وكالة تأسست عام 2023، ورائدا فضاء أثمرت تجاربهما إحدى عشرة ورقة بحثية، وأقمار طلابية في المدار، وقمر مكعب على متن مهمة إلى القمر، وجهة تنظيمية تقيس اقتصاد فضاء بقيمة 8.7 مليار دولار مع توقعات تبلغ 31.6 مليار دولار في 2035.
وتكمن الفرصة لمعظم المهندسين والشركات السعودية على الأرض. فكل قمر وتجربة وشراكة جديدة تنتج بيانات، وستحتاج المملكة إلى كثيرين قادرين على تحويل هذه البيانات إلى برمجيات ونماذج وقرارات. وهذا العمل في متناول الفرق السعودية اليوم.
مصادر الصور: NASA (public domain)
كيف يمكن لإلبترون مساعدتك
خدمات مرتبطة مباشرة بما ورد في هذا المقال